د عيد النوقي "دراسات ومقالات بحثية علمية ثقافية منهجية وتوعوية في تجديد الخطاب الديني

 

"دراسات ومقالات بحثية علمية ثقافية منهجية وتوعوية في تجديد الخطاب الديني




.المقال الخامس  عشر 

"الماسونية: بين الغموض التاريخي، وشبكات النفوذ… قراءة علمية تفكك الأسطورة ،وتكشف الحقيقة".

بقلم /الباحث الأديب والمفكر الناقد الدكتور عيد كامل حافظ النوقي .

المقدمة :

في خضمّ التحولات الفكرية، والسياسية التي تعيشها الأمة، تتردد مصطلحات كثيرة تُستَخدم أحيانًا بلا تحقيق علمي، ومن أبرزها: الماسونية.:

فقد أصبحت في أذهان كثيرين مرادفًا لكل مؤامرة، بينما يراها آخرون مجرد جمعية خيرية بريئة.

وهنا تأتي مهمة تجديد الخطاب الديني والعلمي:

ليس في التهويل ولا في التهوين، بل في التحقيق ،والتفكيك، والتحليل المنهجي.

أولًا: ما هي الماسونية؟ (التعريف العلمي الدقيق):

الماسونية هي:

جمعية أخوية عالمية ذات طابع رمزي، وتنظيمي، نشأت في أوروبا، تقوم على نظام المحافل (Lodges)، وتستخدم رموزًا، وشعائر خاصة، وتهدف  في ظاهرها  إلى الأخوة الإنسانية ،والتكافل الأخلاقي.

جاء في دائرة المعارف البريطانية:

"الماسونية منظمة أخوية سرية ذات طقوس، تطورت من نقابات البنائين في العصور الوسطى"

ثانيًا: نشأة الماسونية وتطورها التاريخي:

1) الجذور الأولى (العصور الوسطى):

تعود إلى نقابات البنّائين (Freemasons)

كانت تجمع الحرفيين لبناء الكنائس والقلاع

2)التحول الفكري (القرن 17–18):

تحولت من مهنة إلى تنظيم فكري

تأسس أول محفل رسمي في:

لندن 1717م

 يقول المؤرخ ألبرت ماكي:

"الماسونية انتقلت من العمل اليدوي إلى البناء الرمزي للإنسان"

(Encyclopedia of Freemasonry, ص12)

ثالثًا: البنية التنظيمية للماسونية:

1)المحافل (Lodges):

وحدات تنظيمية محلية.

2)الدرجات:

المبتدئ

الرفيق

الأستاذ

3) القيادة:

محافل كبرى (Grand Lodges)

4) التنظيم لا مركزي عالميًا، وليس كيانًا واحدًا موحدًا.

رابعًا: رموز الماسونية ودلالاتها:

من أشهر الرموز:

الفرجار ,والزاوية

العين (العين التي ترى كل شيء)

الأعمدة:

 هذه الرموز تُفسَّر غالبًا تفسيرًا رمزيًا أخلاقيًا داخل التنظيم.

خامسًا: أهداف الماسونية (بين المعلن والمحلل):

1) الأهداف المعلنة:

نشر الأخوة الإنسانية

دعم الأخلاق

العمل الخيري

2) الأهداف التي يذكرها بعض الباحثين:

التأثير في النخب

نشر الفكر العلماني

بناء شبكات علاقات عالمية

 يقول المفكر عبد الوهاب المسيري:

"الماسونية ليست تنظيمًا عقائديًا موحدًا، بل شبكة علاقات ونفوذ"

(الموسوعة، ج3، ص210)

سادسًا: الماسونية, والسرية:

لماذا السرية؟

طقوس داخلية خاصة

تقاليد تاريخية

حماية الأعضاء

 لكن هذه السرية:

أدت إلى انتشار الشبهات

وساهمت في تضخيم دورها

سابعًا: الماسونية في العالم العربي, والإسلامي:

1) دخولها إلى العالم الإسلامي:

عبر الاستعمار الأوروبي

في القرن 19م

2)انتشارها:

في مصر, والشام ,والعراق

بين النخب السياسية ,والثقافية

 يشير محمد عمارة إلى:

"انتشار المحافل الماسونية في القرن التاسع عشر بين المثقفين"

(الصهيونية والماسونية، ص85)

ثامنًا: مشاهير انتموا أو نُسبوا إلى الماسونية:

 ملاحظة علمية:

ليس كل ما يُشاع صحيحًا، وهناك خلط كبير:

من الأسماء التي ذُكرت في الدراسات:

جورج واشنطن

ونستون تشرشل

لكن:

الانتماء لا يعني تبني "مشروع خفي عالمي"

بل غالبًا انخراط في شبكة اجتماعية نخبوية.

تاسعًا: هل الماسونية تحكم العالم؟ (تفكيك علمي):

الرأي الشائع:

الماسونية تتحكم في العالم

التحليل العلمي:

لا يوجد دليل موثق على وجود قيادة عالمية سرية موحدة تتحكم بكل شيء

لكنها قد:

تُستخدم كشبكة نفوذ

تؤثر في بعض النخب

 يقول برنارد لويس:

"فكرة التنظيم السري الذي يحكم العالم تبسيط غير دقيق"

(Semites and Anti-Semites, ص120)

عاشرًا: لماذا انتشرت فكرة "الماسونية العالمية"؟:

1)الغموض والسرية.

2) الأحداث السياسية الكبرى.

3) الإعلام, ونظريات المؤامرة.

4) ضعف البحث العلمي

الحادي عشر: نظرة الشريعة الإسلامية للماسونية:

1) الأصل في الحكم: التثبت

 قال تعالى:

"فَتَبَيَّنُوا" (الحجرات: 6)

2. رفض الغموض العقدي.

الإسلام دين وضوح لا طقوس سرية

3)الحذر من الانتماءات الغامضة;

 خاصة إن تعارضت مع العقيدة أو الولاء

 قرارات بعض المجامع الفقهية:

التحذير من الانضمام إليها بسبب الغموض والأهداف غير الواضحة.

(مجمع الفقه الإسلامي، قرارات الدورة 2)

الثاني عشر: الخطر الحقيقي للماسونية:

ليس في "أسطورة السيطرة الكاملة"، بل في:

1) شبكات النفوذ المغلقة

2) التأثير في النخب.

3. نشر قيم مادية علمانية

4)إضعاف المرجعيات الدينية

الثالث عشر: كيف نتعامل مع القضية؟ (رؤية تجديدية)

1) العلم بدل الشائعات

2)التمييز بين الحقيقة, والمبالغة

3)بناء وعي نقدي.

4) تقوية الهوية الإسلامية.

خاتمة :

ليست المشكلة في الماسونية وحدها، بل في كيفية فهمنا لها.

فالأمة التي تبني وعيها على الشائعات، لن تستطيع مواجهة التحديات الحقيقية.

إن الطريق الصحيح ليس في تضخيم العدو، ولا في إنكاره، بل في:

 فهمه بدقة

 تحليل أدواته

 بناء الذات لمواجهته

وإن تجديد الخطاب الديني يقتضي أن ننتقل من:

ثقافة الاتهام… إلى ثقافة العلم

ومن:

الانفعال… إلى الوعي.

المراجع:

١)ألبرت ماكي، Encyclopedia of Freemasonry، ص12

٢)عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، ج3، ص210

٣)محمد عمارة، الصهيونية والماسونية، دار الشروق، ص85

٤)برنارد لويس، Semites and Anti-Semites، ص120

Encyclopaedia Britannica, "Freemasonry"

٥)قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة الثانية.

ليست هناك تعليقات